الشنقيطي

71

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فيسجن فيه ، وروي نحوه عن مالك أيضا ، وله اتّجاه ؛ لأنّ التّغريب عن الأوطان نوع من العقوبة ، كما يفعل بالزاني البكر ، وهذا أقرب الأقوال ، لظاهر الآية ؛ لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء ، فعلم أنّ المراد بالأرض أوطانهم الّتي تشقّ عليهم مفارقتها ، واللّه تعالى أعلم . مسائل من أحكام المحاربين المسألة الأولى : اعلم أنّ جمهور العلماء يثبتون حكم المحاربة في الأمصار والطّرق على السّواء ، لعموم قوله تعالى : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ، وممّن قال بهذا الأوزاعيّ ، واللّيث بن سعد ، وهو مذهب الشافعي ، ومالك ، حتّى قال مالك في الّذي يغتال الرجل فيخدعه ، حتّى يدخله بيتا ، فيقتله ويأخذ ما معه ، إنّ هذه محاربة ، ودمه إلى السّلطان ، لا إلى ولي المقتول ، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل . وقال القاضي ابن العربي المالكي : كنت أيّام حكمي بين الناس ، إذا جاءني أحد بسارق ، وقد دخل الدار بسكّين يحبسه على قلب صاحب الدار ، وهو نائم ، وأصحابه يأخذون مال الرجل ، حكمت فيهم بحكم المحاربين ، وتوقف الإمام أحمد في ذلك ، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلّا في الطّرق ، فلا يكون محاربا في المصر ؛ لأنه يلحقه الغوث . وذهب كثير من الحنابلة إلى أنّه يكون محاربا في المصر أيضا ، لعموم الدّليل . وقال أبو حنيفة : وأصحابه : لا تكون المحاربة إلّا في الطرّق ، وأمّا في الأمصار فلا ، لأنّه يلحقه الغوث إذا استغاث ، بخلاف الطريق لبعده ممّن يغيثه ، ويعينه ، قاله ابن كثير ولا يثبت لهم حكم المحاربة ، إلّا إذا كان عندهم سلاح . ومن جملة السّلاح : العصيّ ، والحجارة عند الأكثر ؛ لأنّها تتلف بها الأنفس والأطراف كالسلاح ، خلافا لأبي حنيفة . * * * المسألة الثانية : إذا كان المال الّذي أتلفه المحارب ، أقلّ من نصاب السرقة الّذي يجب فيه القطع ، أو كانت النفس الّتي قتلها غير مكافئة له ، كأن يقتل عبدا ، أو كافرا ، وهو حرّ مسلم ، فهل يقطع في أقّل من النّصاب ؟ ويقتل بغير الكفؤ أو لا ؟ اختلف العلماء في ذلك ، فقال بعضهم : لا يقطع إلّا إذا أخذ ربع دينار ، وبهذا قال الشافعيّ ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وقال مالك : يقطع ولو لم يأخذ نصابا : لأنّه يحكم عليه بحكم المحارب . قال ابن العربيّ : وهو الصحيح ؛ لأنّ اللّه تعالى ، حدّد على لسان نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، ربع دينار لوجوب القطع في السّرقة ، ولم يحدّد في قطع الحرابة شيئا ، ذكر جزاء المحارب ، فاقتضى